هذه الآية الكريمة، رقم 96 من سورة الأعراف، تفتح لنا آفاقًا واسعة لفهم سنة الله في خلقه وعلاقته بعباده.إنها ترسم لوحة واضحة المعالم لمفتاح البركات والخيرات في حياة الأمم والمجتمعات.تبدأ الآية بوعد إلهي صادق: لو أن أهل القرى تحلوا بالإيمان بالله ورسله، واتبعوا طريق التقوى في كل شؤونهم،لفتح الله عليهم أبواب الرزق الوفير والخير العميم، "بركات من السماء والأرض"، تشمل كل خير مادي ومعنوي.ولكن الجزء الثاني من الآية يأتي ليروي قصة التكذيب والعصيان، "ولكن كذبوا"، حيث أداروا ظهورهم للحق وعاندوا.فكانت النتيجة الحتمية والطبيعية لفسادهم وتنكّرهم لنعم الله: "فأخذناهم بما كانوا يكسبون".هذه الآية قاعدة ربانية وسنة كونية لا تتغير، تربط الفلاح والرخاء بصلاح القلوب والأعمال والإيمان الحق.إنها تؤكد أن الرزق المبارك والعيش الهني ثمرة للتقوى والإنابة إلى الله، وأن الشقاء والضنك نتيجة حتمية للكفر والعصيان.تُعد رسالة خالدة تدعونا للتأمل العميق في عواقب أعمالنا، وتذكرنا بأن طريق الازدهار يمر حتمًا بالإيمان والعمل الصالح.إنها تلخيص بليغ للمبدأ الإلهي: الجزاء من جنس العمل، وخلاص البشرية يكمن في العودة الصادقة إلى منهج الله.
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا
فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ
أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا
وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا
وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا
وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا
وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّـٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ
يمثل "اختبار القرآن الكريم أمام العصر الحديث" محاولة عميقة لاستكشاف العلاقة الجدلية بين النص الإلهي ومتغيرات الزمن المتسارعة. في عالم يعج بالتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، وتتلاطم فيه أمواج الشبهات والتساؤلات الفكرية والفلسفية، يبرز القرآن الكريم كمنارة هداية ثابتة لا تتأثر بمرور السنين أو تعاقب الأجيال، بل يزداد رسوخاً. يدعو هذا الاختبار إلى التأمل في قدرة القرآن على تقديم الإجابات الشافية لمختلف تحديات الحياة المعاصرة، سواء كانت في ميادين العلوم الكونية والطبية، أو القضايا الاجتماعية والنفسية، أو المعضلات الأخلاقية والقانونية. إنه دعوة لإعادة اكتشاف إعجازه الخالد والمتجدد، الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان ويفيض بالحكمة، ويقدم منهجاً متكاملاً لإصلاح الفرد والمجتمع والارتقاء بهما، بعيداً عن أي تناقضات أو الحاجة للتأويلات المتعسفة. يؤكد هذا العمل على أن تعاليم القرآن ليست مجرد نصوص تاريخية عابرة، بل هي خارطة طريق حية وفعالة لكل عصر، تثبت أصالتها وقوتها في مواجهة كل فكر جديد أو شبهة مستحدثة، بل وتسبقها بالإشارة تارة وبالحلول تارة أخرى، ليظل الدليل القاطع على عظمة رسالة الإسلام وصلاحيتها المطلقة، وكونه كلمة الله الأخيرة الموجهة للبشرية جمعاء.
تطوير midade.com